حيدر حب الله
101
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
وهذا كلّه يعني أنّ ما نراه نحن مصيبةً يحتمل احتمالات : إمّا هو من حبّ الله للعبد ، وإمّا هو من بغضه له وعقوبته ، وإثبات أنّ النازلة أو المصيبة المعيّنة من أيّ النوعين أمرٌ ليس بالبسيط بالنسبة إلينا ؛ لجهلنا بخفايا الأمور وبعالم الإرادة الإلهيّة في غالب الموارد ، لكنّنا نتفاءل بأنّ ذلك من حبّ الله لنا ، فيدعونا ذلك إلى التضرّع والعودة إليه سبحانه . ومؤدّى هذا كلّه أنّ الشرّ - إن صحّ التعبير - الذي يواجهه الإنسان من خلال المصائب والبلايا والأزمات ، هو ذو وجهين ، فقد يحتمل الرحمة والابتلاء ، وقد يحتمل الغضب والبلاء والعذاب ، ففي علم الله تعالى تكون الأمور واضحة ، أمّا في علمنا المحدود فمن الصعب علينا التمييز ، فلو أخذنا اليوم عذاباً من عذاب الأمم الماضية - مع بقائهم أحياء - والتي حدّثنا عنها القرآن الكريم ، ودرسناه على المستوى التاريخي والطبيعي ، فلن نتمكّن من اكتشاف أنّه جاء بنحو العذاب أو الابتلاء ، وبنحو المحبّة أو الغضب ، كلّ ما يظهر لنا هو نتيجة الحدث المادي ، أمّا الأغراض التي بني عليها الحدث المادّي ، والكامنة في عالم الإرادة الإلهيّة فمن الصعب اكتشافها ؛ لأنّ الحدث المادّي لا يحكي عنها ، كما أنّه متساوي النسبة إليها ، ولولا أنّ النصّ القرآني أخبرنا بأنّ هذا كان عذاباً لما علمنا بذلك ، ولخمّناه تخميناً . وهكذا الحال في عصرنا الحاضر ، حيث يبتلي الناس بالظنون والتخمينات ، فلو نزل عذابٌ بقوم - من زلزال أو عاصفة أو غير ذلك - قالوا : هو غضب ، ولو نزل بهم ، قالوا : هو ابتلاء وامتحان ، أو محبّة بتطهيرنا من الذنب عبر إنزال العذاب الدنيوي لتجاوز العذاب الأخروي ، وقد يكون الأوّل ابتلاء والثاني غضباً وبالعكس .